على هذه الأَرض
قبلَ نَحوِ ستّةِ آلافِ عام، نَشَأَت على ضِفافِ الفُراتِ مَدينةُ "أُور". لم تَكُن أَوَّلَ تَجَمُّعٍ بَشَريٍّ في التاريخ، لكنّها كانت أَوَّلَ مَدينةٍ خَضَعَت لتَخطيطٍ مَدنيٍّ مَكتوب: شَوارعُ مُتَعامِدة، أَحياءٌ سَكنيّةٌ مَفصولةٌ عن المَناطقِ التِّجاريّة، نِظامٌ صَريحٌ لإدارةِ المياه.
ثمّ جاءت "أُروك". تَجاوَزَ سُكّانُها الخَمسينَ أَلفاً — أَوَّلُ مَدينةٍ في التاريخِ تَبلُغُ هذا الحَجم. ولأَنّ الكَثرةَ تَطلبُ نِظاماً، طَوَّرَ سُكّانُها أَوَّلَ نِظامٍ مَعروفٍ لتَسجيلِ الأَراضي بأَلواحٍ مَكتوبة — حُدودٌ مُوَثَّقة، أَسماءُ مُلّاك، حُقوقُ انتقال.
اختيارُ المَوقع، إذن، ليس قَراراً عَشوائيّاً يَنتظرُ المُهَندسَ الحَديث. هو فَنٌّ تَطَوَّرَ على هذه الأَرضِ قبلَ ستّةِ آلافِ سَنة. الذي يَتَغَيَّر هو الأَدَوات. الذي يَبقى هو السؤال: أَينَ يَقعُ هذا المَوقع، ولماذا هذا المَكانُ دونَ غَيره؟
في بَوّابة دجلة، نَختارُ المَوقعَ بمَنطقِ مَن خَطَّطَ أُور — لا بمَنطقِ مَن يَملأُ نَموذجَ تَأجير.